محمد بن جرير الطبري
158
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
كما تقول العرب : أكل طعامك عبد الله ، فتظهر اسم الآكل بعد أن قد جرى الخبر بما لم يسم آكله . وذلك وإن كان وجها غير مدفوع ، فإن أحسن من ذلك أن يكون قوله : عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ مرفوعا على أنه نعت لي الذي " في قوله : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ . وروي عنه ابن عباس أيضا أنه كان يقول : الصور في هذا الموضع : النفخة الأولى . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعني بالصور : النفخة الأولى ، ألم تسمع أنه يقول : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى يعني الثانية ، فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ . ويعني بقوله : عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ عالم ما تعاينون أيها الناس ، فتشاهدونه ، وما يغيب عن حواسكم وأبصاركم فلا تحسونه ولا تبصرونه ، وهو الحكيم في تدبيره وتصريفه خلقه من حال الوجود إلى العدم ، ثم من حال العدم والفناء إلى الوجود ، ثم في مجازاتهم بما يجازيهم به من ثواب أو عقاب ، خبير بكل ما يعملونه ويكسبونه من حسن وسئ ، حافظ ذلك عليهم ليحازيهم على كل ذلك . يقول تعالى ذكره : فاحذروا أيها العادلون بربكم عقابه ، فإنه عليم بكل ما تأتون وتذرون ، وهو لكم من وراء الجزاء على ما تعملون . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واذكر يا محمد لحجاجك الذي تحاج به قومك وخصومتك إياهم في آلهتهم وما تراجعهم فيها ، مما نلقيه إليك ونعلمكه من البرهان ، والدلالة على بطلان ما عليه قومك مقيمون وصحة ما أنت عليه مقيم من الدين وحقية ما أنت عليهم محتج ، حجاج إبراهيم خليلي قومه ، ومراجعته إياهم في باطل ما كانوا عليه مقيمين من عبادة الأوثان ، وانقطاعه إلى الله والرضا به واليا وناصرا دون الأصنام ؛ فاتخذه إماما واقتد به ، واجعل سيرته في قومك لنفسك مثالا ، إذ قال لأبيه مفارقا لدينه وعائبا عبادته الأصنام دون بارئه وخالقه : يا آزر . ثم اختلف أهل العلم في المعنى بآزر ، وما هو ؟ اسم أم صفة ؟ وإن كان اسما ، فمن المسمى به ؟ فقال بعضهم : هو اسم أبيه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ قال : اسم أبيه آزر . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة بن الفضل ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، قال : آزر أبو إبراهيم . وكان فيما ذكر لنا والله أعلم رجلا من أهل كوثي ، من قرية بالسواد ، سواد الكوفة . حدثني ابن البرقي ، قال : ثنا عمرو بن أبي سلمة ، قال : سمعت سعيد بن عبد العزيز يذكر ، قال : هو آزر ، وهو تارح ، مثل إسرائيل ويعقوب . وقال آخرون : إنه ليس أبا إبراهيم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن حميد وسفيان بن وكيع ، قالا : ثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد ، قال : ليس آزر أبا إبراهيم . حدثني الحرث ، قال : ثني عبد العزيز ، قال : ثنا الثوري ، قال : أخبرني رجل ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ قال : آزر لم يكن بأبيه إنما هو صنم . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : آزر اسم صنم . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ قال : اسم أبيه . ويقال : لا ، بل